محمد متولي الشعراوي

5899

تفسير الشعراوى

سبحانه : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً . . ( 37 ) [ آل عمران ] والرزق ما به انتفع ، وكان زكريا - عليه السّلام - يكفلها بكل شئ تحتاجه ، لكنه فوجىء بوجود رزق لم يأت هو به ؛ بدليل أنه قال : أَنَّى « 1 » لَكِ هذا . . ( 37 ) [ آل عمران ] وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم يأت به . وهذه هي قضية « من أين لك هذا ؟ » ، وهي قضية الكفيل العام للمجتمع حين يرى واحدا يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة ، وبذلك يكتشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يعرف كافله ، ولو أن كافله أصرّ على معرفة من أين تأتى مصادر دخله ؛ لحمي المجتمع من الفساد . وانظر إلى جواب مريم عليهاالسّلام على قول زكريا عليه السّلام الذي ذكره رب العزة سبحانه : أَنَّى لَكِ هذا . . ( 37 ) [ آل عمران ] قالت مريم : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . ( 37 ) [ آل عمران ] ثم تعلّل الجواب : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ « 2 » . . ( 37 ) [ آل عمران ] قالت ذلك ؛ لأنه وجد عندها أشياء لا توجد في مثل هذا الوقت من

--> ( 1 ) أنّى لك هذا ؟ : كيف ومن أين لك هذا ؟ ( 2 ) لله في عطائه رزق بحساب ، ورزق بغير حساب ، فرزق الحساب بقدر ما تقدمه من خير وعمل صالح ، يقاس العطاء بمقياس العدل الإلهى . أما الرزق الذي بغير حساب فهو رزق الذين وهبوا كلياتهم إلى الكل المطلق قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) [ الأنعام ] . إذن : فكون الرزق هنا بلا حدّ مصداقا لقوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) [ البقرة ] لأن الإمام العارف قال : من دخل على اللّه بحساب أعطاه بحساب ، ومن دخل عليه بغير حساب أعطاه بغير حساب .